شَبح دور الضحيَّة
في بعض الأيام،
نُفاجأ أحيانا بظهور شعور داخلي لا نعرف له ملامح واضحة؛
موقف بسيط يُعيد لنا حنقًا أو غضبا دفينًا على شخصٍ سبَّبَ لنا الأذى يومًا ما، وكأن الجرح الذي ظننَّاه قد اندمل، له ذاكرة تعيد فتحه بصمت في كل مرة تتشابه فيها الظروف ..
يأتي هذا التفاعل العاطفي بدواخلنا نتيجة ما يُعرف علميًا بـ الاستدعاء العصبي المشروط،
عندما يخزن الدماغ التجارب المؤلمة في شبكات عصبية تُنشَّط تلقائيًا عند التعرض لمحفِّز مشابه..
ففي لحظة، قد نجد أنفسنا نتقمَّص من جديد دور الضحية الذي يظهر غالبا بشكل فيه استضعاف أو شكوى مستمرة دون الإقدام على فعل أو عمل واضح يخرجنا من هذه الدائرة،
ويحدث هذا لا لأننا ضعفاء، بل لأن الجهاز العصبي لم يُمنح حق التعبير والانعتاق من الألم وقت حدوثه.
في ثقافة شعوبنا للأسف، يُربط “التسامح” بكبت المشاعر حفاظًا على الصورة الناضجة.
لكن سلوكنا هذا قد يُغذِّي اللاوعي بـنمط التمسك بالضحية، ما يجعلنا نعيد إنتاج نفس السيناريو العاطفي، ونتعامل مع الحياة بمنظور المظلوم لا القادر وبالتالي نظل ندور في نفس المكان بلا حراك فقط نعيد تكرار نفس الأنماط مع نفس الأشخاص بنفس المنظور..
ولكنَّ الخبر السعيد .. أنه قد يكون الحنق ذاته دعوة للوعي!
فحين نسأل أنفسنا:
ما هو هذا الشعور؟
لماذا يشتدّ الآن؟
ما الذي أحتاجه لأشعر بالأمان؟
نحن هنا نمارس اليقظة الشعورية التي نبدأ بها رحلة الانفصال عن دور الضحية، لا بإنكاره، بل بفهمه وإعادة تفسيره.
ووعينا لذلك لا يُلغي الحقيقة المؤلمة، لكنه يضعها في سياق نضجٍ داخلي يحرِّرنا من إعادة التمثيل اللاواعي.
حيث نخرج من دور المتلقي السلبي، إلى دور المراقب أو الراصد الحكيم.
حين ندرك أننا لسنا الجرح بل الوعي الذي يشاهده من بعيد بهدوء
نبدأ في تنظيم مشاعرنا ونُطفئ شبح الضحية الذي تلبَّس أرواحنا طويلاً..
وهذه العملية قد يظنُّ البعض أنها لا تحتاج سوى بضعة أيامٍ وليالٍ،
لكن الحقيقة، يا أصدقاء، أننا قد نقضي عمرنا كله نجاهد أنفسنا بهذا الشكل،
حتى يفتح الله علينا بنور البصيرة والمعرفة.
لذلك، لنجعل هذه الكلمات دعوةً للتراحم فيما بيننا:
ألا نظلم أحدًا فنُحدث في قلبه جرحًا عميقًا يبقى معه عمره كله وهو يحاول التشافي منه.
وألا نحيا في جهلٍ دائم، نظنُّ فيه أن دور الضحية سيشفي كل جراحنا،
وأن الشكوى وسلوك الاستضعاف هما السبيل الوحيد للتنفيس عن غضبنا أو حنقنا المكتوم.
الأصل في رحلة الحياة، وكما قال الشيخ محمد خيري في دورة “أمومة واعية”:
“المرء المُكلَّف بعد البلوغ يصبح مسؤولًا عن إعادة ترتيب نفسه حسب التعريفات التي يراها صحيحة”،
بمعنى أننا مسؤولون عن الخيارات التي نتخذها كبالغين، حتى بعد أن ظُلمنا في ماضينا.
وطلب الدعم الحقيقي من أهل الخبرة قد يكون أولى خطواتنا المسؤولة،
كأن نلجأ إلى استشاريين أو أخصائيين يمكنهم مساعدتنا في إيجاد أفضل الطرق لرحلتنا.
فثَمَّة حل دائمًا، فقط لمن يسعى ويبحث.
ومن صدق العزم، هُديَ للحِيل والأسباب.
دمتم في تمام الصحة والعافية، القلبية والجسدية ~✨
About Alaa | عن آلاء
زوجة، و كاتبة; . حاصلة على شهادة البكالوريوس في اللغات والترجمة، وتسعى اليوم بكتاباتها للمساهمة في خلق بيئة آمنة وداعمة عن طريق أدوات عملية تُمكن كل أنثى مِن إعادة تعريفها لذاتها من الداخل وعلى فهمها لفطرتها ولرسالتها التي خُلقت لأجلها. 💌
A wife, and writer. Holder of a bachelor’s degree in Languages and Translation. Today, she strives to create a safe, nurturing space-one built around practical tools that empower every woman to redefine herself from within and reconnect with her innate essence and purpose she was born to fulfill. 💌

تعليقات
إرسال تعليق