أنا مُقبلة على الأمومة!



مرحبًا من جديد عزيزتي

قبل أن نبدأ، دعيني أؤكد على نقطة: هذه التجارب والقصص التي ستقرئينها ليست وصفات جاهزة لتُحاكيها أو تُقلديها، فلكل أنثى ظروفها الخاصة، وجسدها الذي يتفاعل بطريقته مع هذه الرحلة.
 فما الغرض إذن من هذه التدوينة؟ 
الغرض أولًا هو الاحتفاء بمجهود كل أم تسعى في طريقها الخاص لتقوم بأعظم وأسمى دور خُلق على الأرض، 
دور الحمل والولادة.
 وثانيًا، لإلهامك إن كنتِ تخططين لحملك الأول،
 أو حتى لحملٍ ثانٍ أو ثالثٍ قريب أو مستقبلي، 
فقط لتعلمي أنك صنعة الله الغالية (كما كانت تقول مرشدتي)، 
وأن كل ما يقرِّبُك لفطرتك هو تمام الحكمة، وأنك ستجدين فيه بإذن الله تمام الرضا.

“أنقذتني الأمومة حتى قبل أن أعرف أنها تفعل” — إحدى الأمهات الجُدد—

سواء كنتِ أمًا بالفعل أم لا، أدعوك أن تقرئي بقلبك، أن تستشعري جمال وعظمة نعمة الله فيك.. أعلم أنه لم يخبرنا أحد كيف نستعد نفسيًا، ولا من أين تبدأ الرحلة الفعلية، وما إذا كانت تعتمد فقط على قراءة كتاب، أو مشاهدة برامج تعليمية؟؟

وللأسف، بسبب بعض أنماط التربية، وبسبب التضليل الإعلامي، قد يحدث أحيانًا انفصال بيننا وبين أجسادنا ومشاعرنا، لدرجة تجعلنا ننسى داخليًا من نكون حقًا، وماذا تعني الأمومة بالنسبة لنا؟ وننسى حقيقة أننا نستحق أن نكون بشرًا فقط كما خُلقنا، فلا نسعى لأنماط مثالية لا تُناسب جبلتنا، ولا تنفع فطرتنا ومراد الله منا.

ونتيجة لذلك، تجدين نفسكِ محمَّلة بما لا تطيقين..

🤎
تحكي لنا سُمية فتحي، وهي أم لطفلين وأولى المشاركات:
 "في حملي الأول، لم أكن أملك لغة للتعبير. كنت أشعر بكل شيء ولا أقول شيئًا، أراقب جسدي يتغير، أحاول أن أبدو قوية، لكنني كنت أحتاج من يسألني: هل أنتِ بخير؟ وحين وُلد طفلي، بدأت أتعلم كيف أتكلم، 
كيف أقول: “أنا متعبة”، وكيف أطلب حضنًا دون خجل. 
كان حملي الأول بداية شفائي من الصمت".

تأملتُ كلماتها وشعرت بعمق تجربتها ومشاعرها .. نُقنع أنفسنا أننا بخير ونحن في الحقيقة ننهار داخليا
عندما نستعيد دواخلنا، ونقبل مراحل تغيُّرنا دون مقاومة أو استنكار، نتشافى رويدًا رويدًا من آثار العار والخزي من أنفسنا وأجسادنا.

فالرحلة تبدأ من داخلك، من لحظة تهيئتك لنفسك، من قولك بصوتٍ داخليٍ واضح: أنا مُقبلة على الأمومة.. ثم التحضير والاستعداد لها بكل ما يتطلبه ذلك من وقت وجهد وفهم وتقبُّل وعلم.

💙
تحكي مريم عبدالرحمن في مدونتها الخاصة عن الأمومة فتقول :
" تجربتي في الحمل لم تكن عشوائية ولم تحصل بالصدفة، كنا نخطط لها منذ فترة، وبناءً عليه فقد كنت متقبّلة للتغيرات، 
مقبلة عليها وعلى المعرفة المرتبطة بها، ولم أستنكرها. 
وأعتقد أن هذا الأمر مهم جدًا ومرتبط كثيرًا بالتهيئة والجانب النفسي، وهو أكثر ما يميز هذه المرحلة، سواء للأم نفسها أو تأثيره على من حولها. 
وأظن أن الأمر شخصي من ناحية الوقت المطلوب للاستعداد، فكل عائلة لها طبيعتها المختلفة، ولا يوجد هناك وقت محدد، ويمكن أن يحدث بعد الحمل، لكنه أمر ضروري جدًا حتى لا تُترك الأمور للصدفة أو للصدمات النفسية الواردة جدًا في هذه المرحلة. 
بطبيعتي أحب أن أفهم كل شيء أُقدم عليه بشكل ملموس، ولعل هذا يفسر البحث الوافي الذي صاحبني في هذه الرحلة."


يأتي الحمل أحيانًا بلا تخطيط ولا نية مسبقة.. لكن، وهذا ما أؤمن به: “لحظة معرفتك بحملك هي لحظة البداية”، تبدأين فيها رحلة استقبالك لمفهوم الأمومة، ومعرفتك جيدًا بجوانبه، وكيف تُعرّفينه داخلك.. هل تُعرّفينه بأعين غيرك من النساء؟ أم أنتِ متصلة بذلك التعريف فيك وترينه بعينك أنتِ؟ هل تفهمين حقًا ما تعنيه الأمومة؟ أم أنها تقتصر عندك على مجهود وسهر وتعب وولادة مميتة وغيرها من المصطلحات التي تُنفّرك من هذه النعمة العظيمة؟؟


تسترسل مريم فتقول:
 “مستعدة للسهر”، “نامي كويس، بتفتقدين النوم”، “انسي الهدوء”، “بتشوفين الموت في الولادة”.. عبارات سلبية كثيرة، أكثر ما يشاركها الأمهات ممن يُفترض أنهن يعرفن شعور الاستعداد للولادة والأمومة أكثر من غيرهن. 
الحالة النفسية من أهم الأمور التي يجب التركيز عليها فترة الحمل وعند الولادة، وكون الأم في حالة إيجابية مستقرة يمكن أن يؤثر جذريًا على المرحلة المقبلة التي تستعد لها، لكن يبدو أن بعض الأشخاص يظنون الأمر مبالغًا فيه. 
استخدام العبارات السلبية منتشر كثيرًا في ثقافتنا، حتى بعد الولادة، أكثر ما سمعته كلمة “حرام عليك”، ومزايدة كبيرة بين الأمهات لإثبات خبرتهن وجدارتهن في التربية. كل شخص له أسلوبه وطريقته، ولا توجد أم تريد أن تشعر بالتقصير تجاه أطفالها، وليس هناك متعة أو جوائز في التنافس السلبي حول الموضوع.
كيف أُساعد نفسي أثناء المرحلة؟
الدعم النفسي مهم جدًا، ووجدت أن أكثر ما ساعدني هو ممارسة الرياضة مع مختصة في تمرين الحوامل، والمحافظة على شرب الماء والغذاء الصحي، إضافة إلى كتابة الرسائل،
 حيث كانت طريقتي في التواصل مع نفسي ومع ابنتي أثناء الحمل. كنت أكتب لها رسالة كل أسبوع إلى أسبوعين تقريبًا، أحكي لها وأخبرها عن التغييرات والاستعدادات التي نمر بها، وعن مشاعري في الفترة. 
لا أعلم إن كنت سأطلعها عليها لاحقًا، لكنها كانت طريقتي في الإحساس بها واستيعاب أنها جزء مني، له استقلاله في نفس الوقت. 
أيضًا من الأمور التي ساعدتني نفسيًا: الاحتفاء بعفوية ببعض اللحظات التي رافقت حملي، مثل إخبار والديّ وأهل زوجي بالخبر، ومعرفة جنس الجنين. جهزت جلسة تصوير بسيطة في المنزل، واشتريت طابعة فورية وألبوم صور للذكرى. كان لها أثر في رفع معنوياتي خلال المرحلة".

أجد كلمات مريم وتجربتها مُلهمةٌ حقا لكل أُنثى .. 
فمعرفة الأنثى بذاتها وحدودها هو عين الحكمة.. تخيلي معي ماذا سيحدث لأنثى بدأت رحلة الزواج ولم تكن مستعدة، ثم إذ فجأة تفاجأت بحمل غير مخطط له.. ألن يكون ذلك فيه ظلمٌ لها ولجنينها؟ لا أتحدث فقط عن الاستعداد المعرفي، وإنما أتحدث عن معرفتي بإدارة أُسرة، أنا كأنثى فردٌ منها. إدارة تبدأ من داخلي، ومعرفتي بكيفية إدارة نفسي ومشاعري كبشر، وتُكمل المسير في كيف أُلبي احتياجات زوجي وأطفالي. فالزواج ليس إما أنا أو إما أنت، وإنما خُلقنا وتركنا نفوسنا لأرواح نسكن ونهدأ معها، ونكون في حضرتها أكثر قربًا من أنفسنا.


💜
أرسلت لنا ليلى إبراهيم تحكي:
 "عشت ظروف صعبة، مشاكل في الشغل، اضطرابات في البيت، بعدين اكتشفت إني حامل. حسيت إني مش مستعدة ومعنديش مساحة جوايا لخبر زي ده، وللأسف في البداية فقدت فرصة إني أفرح أو أحس زي ما اتقالي من أمي وخالتي.
 وفي بداية رحلتي كأم كنت بحس إني لوحدي تمامًا ومحدش فاهمني،
 لحد ما اتعلمت أهدأ، 
وكنت بحاول دايمًا أرتب أولوياتي، وده ساعدني أقفل أبواب لحاجات كتير كانت بتؤذيني.

قد تكونين كـ ليلى أو تعرفين من مرَّت بمثل تجربتها .. الانتقال السريع بين المراحل —دون تهيئة أو كُتيِّب للمرحلة نرجع إليه عند الحاجة—،، قد يفصلنا عن جمال المرحلة والاستمتاع بها
لذلك طلب المساعدة ليس ضعفًا عزيزتي! 
وربما تكمن الحكمة في متى تُطلب المساعدة وممن.. علمك بذاتك وبرحلتك يساعدك على طلب المساعدة ممن يُعينك في الطريق، وليس ممن يُضللك أو يُحبطك.
 ليس كل أنثى مرت بمرحلة الأمومة هي عالمة، وكلامها وحي، بل ما هي إلا نصيحة،
 يمكنكِ أخذها ويمكنكِ تركها، لأنكِ أنتِ أعلم الناس بنفسك وظروفك وجسدك وبيتك. 
وكلما تعلمتِ كيف تُديرين حياتك من الداخل إلى الخارج،
 كلما اقتربتِ من حال الرضا وسلامة الصدر الذي يجعل بيتك في حال استقامة.


💙
تتابع مريم فتقول: “للأسف، منذ حملي وجدت عددًا من النصائح السلبية حول دور الزوج في الموضوع بأكمله، من الجنسين، في مجملها كانت تعمّم أنه مثل المزهرية، وأن دوره في سكوته وتعاونه في تنفيذ ما يُطلب منه.
 كثير منها مبالغ فيه، ولا أفهم حقيقة كيف يُقبل الزوجان على تأسيس عائلة دون أن يشتركا في الرحلة كاملة. وبالتأكيد تحدث صعوبات في التواصل أو مشاكل في هذه الفترة، لكنها ليست الأساس.
 لا أتوقع أن الرحلة كانت ستكون بالمثل دون وجود دعم زوجي وحضوره. 
كنت في كل مرة أوضح ما أحتاجه، وأحاول إشراكه في التحضيرات والمواعيد، ومشاركة ما أحصل عليه من معلومات، وهو ما استدعى مني جهدًا مضاعفًا، لكنه بتوفيق الله كان في محله، وكان هو في المقابل يساعد بطريقته. حتى يوم الولادة، كنت قد حضرت له خطة مطبوعة تحدثنا عنها مسبقًا عن أولوياتي، 
وهو ما أثار استنكار الكثيرين، 
لكنها طريقتي التي ارتحت لها وساهمت في راحتي النفسية، وكنت محظوظة بتقبّل زوجي لها.”


“ده مش دورك لوحدك” .. “لازم تشركي زوجك”
مثل هذه التعليقات ما هي إلا محاولات فاشلة لم تُصب المعنى!!
كيف لمعلومة كهذه أن تفيد أنثى على وشك بداية رحلة مختلفة وجديدة تمامًا؟
لا تتبني أفكار غيرك دون ترجمتها يا جميلة،، فمثل هذه الأفكار تساهم في فقدانك لسلام بيتك
فكما وضحت مريم في قصتها
الأمر ليس كما يظن البعض
بل يعتمد على ظروف كل أسرة
وعلى اتفاقك أنت وزوجك بما يُناسبكما 
ويساعدكما على دعم بعضكما
فلا تقارني وضعك بوضع والدتك ولا صديقتك ولا قريبتك
ولا أي أنثى تعرفينها
نحن مختلفات ،، ورحلاتنا مختلفة
وكل أمومة هي قصة فريدة لا تشبه غيرها


💚
تشاركنا دعاء، وهي أم لطفلة واحدة
وآخر التجارب التي نشاركها هنا
وهي من أكثر التجارب التي ألهمتني وأثَّرت فيَّ .. أدام الله عليها السعادة وبارك الله لها في مولودها
تقول دعاء .. 

تجربتي الأولى في الحمل شاء الله ولم تكتمل فقدت الجنين في الشهر الثالث وبعد عام، حملت من جديد لكنني لم أحتفل كنت أخاف أن أفرح
ثم في الشهر الخامس، سمعت نبض قلبها وبكيت بكاءً شديدًا لم أبك مثله في حياتي
شعرتُ أنها كانت حكمة الله لي لأُشفى داخليًا
ثم أسميناها “شفاء”❤️


كل تجربة حمل هي ولادة مزدوجة
ولادة لطفل، وولادة لأم
وكما رأيتِ، لا توجد أم تشبه الأخرى
ولكن يتشاركن جميعًا شيئًا واحدًا
وهو سمو الرسالة وجمال الفطرة الربانية

وأظل أُعيد هذا مرارًا وتكرارًا
لا تسمحي لأحد، أيًّا كان، أن يسلبك حقوقك
وأبسط حقوقك هو كونك بشرًا
التقصير، والضعف، والخوف، والتعب، والإجهاد
كلها صفات البشر
جُبلنا على ذلك
لا تحاربي نفسك فتخسريها
وكلما تقبّلتِ أسرع، دون مقاومة
كلما سعدتِ، وسعد من حولك كما تتمنين

شكرًا لكل أم شاركتنا جزءًا من رحلتها
وشكرًا لكل قارئة استقبلت بقلب مفتوح

سأترك لكُنَّ هنا في تعليقات هذا المنشور بعض المصادر التي قد تساعد أو تُلهم إحداكن في رحلتها

حتى لقاء آخر يا جميلاتي
أدام الله عليكن حال الرضا، ورزقكن التسليم🌱🤍

About Alaa | عن آلاء

زوجة، و كاتبة; . حاصلة على شهادة البكالوريوس في اللغات والترجمة، وتسعى اليوم بكتاباتها للمساهمة في خلق بيئة آمنة وداعمة عن طريق أدوات عملية تُمكن كل أنثى مِن إعادة تعريفها لذاتها من الداخل وعلى فهمها لفطرتها ولرسالتها التي خُلقت لأجلها. 💌

A wife, and writer. Holder of a bachelor’s degree in Languages and Translation. Today, she strives to create a safe, nurturing space-one built around practical tools that empower every woman to redefine herself from within and reconnect with her innate essence and purpose she was born to fulfill. 💌

تعليقات

  1. استمتعت جدا بالقراءة 🌸💖 شعور جميل أنه يكون لكل أنثى رحلة خاصة بيها .. فضلت فترة كبيرة فاكرة ان كل حاجة عيشينها هي مسلمات بس .. الزواج والخلفة وكل شئ في الحياة بس فهمت بعدين أننا ممكن نستعد عادي قبل كل مرحلة💖

    ردحذف
  2. ممتنة جدا لمشاركتك يا عزيزتي 💓
    أُحييك على إدراكك لفكرة الاستعداد واستشعار أهميتها وكما ذكرتِ الأمر ليس مسلَّمٌ به .. لكل منا رحلته التي تناسب نمط حياته وسماته الشخصية وثقافته وهذا هو الجمال في حد ذاته🌸✨

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شَبح دور الضحيَّة

القريب الغريب : أنَستَهلكهُ أم يستهلِكنا ؟