قالت وَجَدتُّك !
أيعقل أن يبحث عنك شخص ما دون أن يعرف من تكون؟
حدثني أحدهم ذات مرة عن أمر مشابه
عن مَن باتت تبحث عن روح ضالة في مكان واسع شاسع .. متقلب متغير .. لا يبقى على حاله .. يتغير في الصباح مرة وفي الليل مرة ..وفي كل مرة يكون مكانا جديدا لم يسبق لأحد أن رآه أو سمع عنه
الغريب في هذا المكان أن من لم يكن لديه العلم الكافي ليدرك طبيعة تغَيره لن يشعر بأي شئ عجيب يحدث .. البعض رآها ميزة والبعض الآخر رآها عيبا ولكن الجميع يعلم كم يسهُل أن تضِل الأرواح مقاصدها فيه .. خاصة وأن فيه من الملهيات ما يُنسي الأرواح حقيقة وأساس وجودها..
ثم وتابعت قائلة..
"كانت الروح الضالة في سبات داخلي عميق .. فقد كانت تسير بلا هدف في هذا المكان الذي يُطلَق عليه "اللامكان" نسبةً لطبيعة تغَيره ..
لم تكن مدركة ماذا تريد أو ماذا يجب عليها أن تفعل لتصل إلى مرادها إن صح ..حتى أنها لم تكن تدرك بعد هل ما تريده واقعي أم لا ؟ .. الجدير بالذكر أنه حين تتلاقى السبل بينها وبين أحد سكان "اللامكان" دائما ما كانت تدَّعي المعرفة.. فقد كانت تبتسم وهي تُضْمِرُ عكس ذلك .. كانت تشتعل غضبا من كل مخلوق لا يتصف بمثاليتها الزائفة ..ولأنها "مثالية" كانت تكبت حقيقة مشاعرها لتنال رضا جميع المخلوقات .. ثم وفي زحام الحياة على سطح "اللامكان" أصبحت لا تدري حقا من تكون ..
أهي روح في جسد أم جسد بلا روح ؟
و من حسن تدبير مولاها كان هذا السؤال انطلاقة لها ..
وبصدفة ليست بصدفة تلاقت طرق الروح المقاتلة مع الروح الضالة..
قالت الروح المقاتلة بصوت داخلي يملؤه الحماس سَمِعَتْهُ فقط الروح الضالة نظرا لموهبتها الفذَّة -التي كانت تظن أنها نقمة وليست نعمة - وهي سماع أصوات ومكنونات أرواح "اللامكان" ..
"وجدُّتك!"
ردة فعل الروح الضالة كانت كما عهدها الجميع .. ابتسامة صفراء واتزان متصنع وكبت لحقيقة مشاعرها
جُمِعَت كُلُّها في مصطلح "زائفة!"..
ولكن الروح المقاتلة كانت تعلم .. تعلم تلك الخبايا .. فُتح عليها بنور البصيرة..وعثرت على صوتها وأصبحت تجوب "اللامكان" لإلهام الآخرين لكي يعثروا على أصواتهم..
فكانت تعرف حق المعرفة أن هذه هي الغفلة
وأن ما يليها وعي و فتح و نور .. ربما لأنها مرت بالأمر المشابه ..وربما لأن لديها قدرة نادرة تعرف كيف ومتى تستغلها لتحقيق مراد مولاها منها .. وهذا ما فعلته مع الروح الضالة .. فقد فتحت عينيها على عوالم أخرى لم تكن تدرك حقيقة وجودها .. عوالم أساسها تمكين الروح العُليا .. التي اهتدى إليها علماء وأئمة "اللامكان" .. والتي لطالما كانت مرتبة ومكانة لا يستحقها أمثالها - كما ظنت ـ ..
وبدأت رحلة الروح الضالة بتوجيه من الروح المقاتلة وأخذت أطيافها تتغير من ضالة لتائهة، لمتعالية لساكنة ، لحكيمة ثم مجددا لتائهة..
كانت تتساءل كثيرا متى ستتمكن من العثور على صوتها الحقيقي الذي ستتألق وتشرق به .. لقد كانت مدركة لحقيقة اختلافها .. ولكن لسبب ما لم تكن تؤمن به .. لم تثق يوما في قدراتها حتى وإن أبدت عكس ذلك .. في حقيقة الأمر ربما كانت تخشى النجاح لا الفشل .. النجاح صوته أعلى ويحمل في طياته مسؤوليات عدة .. فلربما كان خوفها الأعظم هو أن تظهر بحقيقتها فتتعرض للرفض و تذوق مجددا "عدم القبول" من أبناء مجتمعها على سطح "اللامكان".. "
وإذا أمعنا النظر قليلا سنعثر داخل تلك الروح الضالة على روح ٍطفلة أساس طيشها جراح عميقة خلَّفها إحساس
"فقد الرعاية والأمان" .. لربما..
"اصطدمت الروح الضالة بالروح المقاتلة مرارا وتكرارا
داخلها على الأقل .. فقد كانت تكره أن تصطدم بأي أحد وربما هذا ما كان يحميها طوال الثلاثين عاما الماضية
ولكنها لم تيأس .. واصلت وتابعت وفُتح عليها بمعرفة حقيقتها .. حقيقة أنها روح وقلب وعقل ونفس في جسد .. وكان هذا الفتوح في الواقع ليس منها ..إنما وُهِبت إياه
وكلما مرت الأيام أدرَكَت أكثر أن هناك فلسفة لكل ألم مرت به .. وأن لا شيء يحدث صدفة .. وأن الحياة التي وُهِبت إياها هي وحدها من تملك مفاتيحها بتصرفِ مولاها .. وأن احتفاظها بتلك المفاتيح أو إعطائها لمن لا شأن له هو في النهاية قرارها ومسؤوليتها
أي أن كينونتها هي نتاج قراراتها..
كانت صدمة مدوية عندما علمت تلك الحقيقة.. فكيف لا؟! وأن اصعب الامور على الاطلاق هي الخروج من دور الضحية وتقبل الأذى الذي تسبَّبْت به لنفسَك بنفسِك .. "
إذن .. وماذا بعد ..
هل تصبح الروح الضالة مقاتلة يوما ؟
About Alaa | عن آلاء
زوجة، و كاتبة; . حاصلة على شهادة البكالوريوس في اللغات والترجمة، وتسعى اليوم بكتاباتها للمساهمة في خلق بيئة آمنة وداعمة عن طريق أدوات عملية تُمكن كل أنثى مِن إعادة تعريفها لذاتها من الداخل وعلى فهمها لفطرتها ولرسالتها التي خُلقت لأجلها. 💌
A wife, and writer. Holder of a bachelor’s degree in Languages and Translation. Today, she strives to create a safe, nurturing space-one built around practical tools that empower every woman to redefine herself from within and reconnect with her innate essence and purpose she was born to fulfill. 💌

تعليقات
إرسال تعليق