القريب الغريب : فتح صفحة جديدة!


✨🤍 مرحبا بكن يا واعيات

  في المقال السابق، تحدثنا عن مفهوم الجوع العاطفي وبعض الأفكار التي تخصُّه، وكيف يمكن للطعام أن يتحوَّل من وسيلة للهروب إلى مرآة تعكس مشاعرنا 

وفي هذا المقال بمشيئة الله، نركِّز على بوابة أخرى تكسبنا وعيًا جديدًا، وتفتح أفقًا مختلفًا لفهم علاقتنا بالطعام✨


سألتني إحداكن

“لماذا أشعر بالجوع كلما جلست أمام التلفاز؟”


سؤال يستحق التأمل أليس كذلك ؟ 

تجدين نفسك تبحثين عن أي شيء "مسلي" يمكن أن يُؤكل أثناء المشاهدة

والكثير منا يعتقد أن هذا فِعلا أو سلوكًا عاديًا عفويًا  

تُرى كيف يمكن أن يكون هذا الموقف مرتبط بما نتحدث عنه ؟ 


قبل أن أعطيك الإجابة ، دعينا أولا نناقش الجملة التي أَنهيتُ بها المقال السابق "الغريب القريب :أيستهلكنا أم نستهلكه؟" وهي ..  


 احتفلي بالطعام كمساحة تواصل مع ذاتكِ، وليس كمعركة،،


أيمكن للطعام أن يكون ساحة حرب ؟ 

وكيف يمكن أن نحوِّل تلك الساحة إلى مساحة تواصل ؟ 


دعينا نتفق أولا أن الطعام ليس مجرد وسيلة للإشباع، وأنه يُمكن أن يتحوَّل إلى طقسٍ من طقوس العودة إلى الذات، والإصغاء لحقيقتها المطموسة خلف الجوع الوهمي

 

يمكنك تخيله كالجسر الذي يُهيئ لك العبور إلى الداخل✨ 


حين نأكل بوعي، تصبح كل لقمة فعل حب، وكل وجبة لحظة حضور، وكل شعور مرافق لها فرصة لإعادة برمجة علاقتنا بأنفسنا


ذكرنا سابقا أن الأكل العاطفي لا ينبع من الجوع الجسدي، بل من محاولة لتهدئة شعور داخلي غير مفهوم أو غير مُحتضن والآن يأتي دور مفهوم جديد وهو


دور إعادة برمجة العادات

 

ماذا يعني مصطلح “إعادة برمجة العادات العاطفية” ؟

في علم الأعصاب، العادات تُخزَّن في مسارات عصبية داخل الدماغ، وتُفعَّل تلقائيًا عند وجود محفِّز معين


لنأخذ الأكل العاطفي كمثال على ذلك


المحفِّز: شعور بالحزن أو التوتر

 السلوك: تناول الطعام

 المكافأة: تهدئة مؤقتة أو شعور بالراحة لفترة وجيزة


إعادة البرمجة هنا تعني كسر هذه الحلقة عبر إدخال وعي جديد في لحظة التفعيل (وهي تناول الطعام )، واستبدال السلوك التلقائي بسلوك أكثر وعيًا ورحمة كإستبدال الطعام بكوب من الأعشاب المهدئة أو التمشية أو التنفس الواعي


أي أن نعيد تشكيل الاستجابة التلقائية (الأكل عند الحزن أو التوتر) إلى استجابة واعية تُنصت لما تحت السلوك، لا تكتفي بكبحه

بمعنى أن تكوني حاضرة وواعية لما يحدث في جسدك في لحظة السلوك أو الفعل 




نأتي هنا للسؤال المهم 

كيف يمكن أن أُطبِّق إعادة البرمجة؟


✨ تعرفي على المحفِّز

راقبي اللحظة التي تشعرين فيها بالجوع العاطفي. ما الذي سبقها؟ شعور؟ موقف؟ 


✨ التوقف الواعي

خذي نفسًا عميقًا، وامنحي نفسك لحظة تأمل قبل الاستجابة


 ✨استبدال السلوك بآخر أكثر رحمة

اختاري سلوكًا جديدًا يُشبعك عاطفيًا،، كالكتابة، التنفس، التمشية أو غيرها


✨ التكرار والتثبيت

 كل مرة تمارسين فيها هذا التغيير، تُعيدين تشكيل المسار العصبي، وتُضعفين الحلقة القديمة



عندها يتحوّل الأكل من نهمٍ إلى حوار، ومن عادةٍ إلى طقسٍ حسي .. يُوقِظ الحواس، ويعيدكِ إلى نقطة التوازن


وحين تختارين مكونات وجبتكِ بناءً على ما يُسعدكِ ويُشعركِ بالانسجام، لا بناءً على حرمان أو إرضاء خارجي، يصبح الطعام تجلِّيًا لحدسكِ، ورغبتكِ في الاعتناء بنفسكِ


لا تنسي أن تراقبي مشاعركِ قبل وبعد الأكل


هذا التأمل البسيط يفتح بوابة بين الجوع الخارجي والجوع الداخلي، ويمنحكِ فرصة لفهم ما وراء السلوك، لا مجرد مقاومته

وهكذا تصبح كل وجبة بمثابة تمرين للتواصل الجسدي والعاطفي، وإعادة برمجة العادة من رد فعل تلقائي إلى فعل واعٍ

 

وأردت أن أُذكرك أن هذا كله لن يحدث بكبسة زر .. ولا بمجرد إمتصاص المعلومات وحدها .. هذه الرحلة تتطلب الاستعانة بالله ، والكثير من الصبر والتقبل والإرشاد ،، فإذا كنتِ تُعانين من بعض التحديات التي يصعب عليك مواجهتها بمفردك فأنا أُشجعك أن تطلبي الدعم من مختص يُلهمك ويساعدك في طريقك نحو التوازن 


عودة إلى السؤال الذي سألتني إياه إحدى المشاركات 


وأعتقد أن معظمكن يعرف الإجابة الآن

 

ما الذي يحدث بالضبط في موقف الأكل والتلفاز ؟ 


ما يحدث هو أن الدماغ يربط الشاشة بالطعام، فيصبح الجلوس أمام التلفاز محفزًا تلقائيًا للشهية، حتى لو لم يكن هناك جوع حقيقي وهذا ما يسمى بالارتباط الشرطي

كما أن التلفاز يُشتت انتباهنا عن إشارات الجوع والشبع، فنأكل أكثر مما نحتاج لأننا لا ننتبه لما نأكله أو كيف نشعر أثناء الأكل

 وغالبا ما تكون مشاهدة التلفاز وسيلة للهروب من التوتر أو الملل، و يُستخدم الطعام في هذه الحالة كأداة تهدئة مما يجعل مشاهدة التلفاز قرينا مثاليا للأكل العاطفي حيث يحفِّز كلاهما إفراز الدوبامين (هرمون السعادة).. 

فالجمع بينهما هنا يُضاعف الشعور بالراحة المؤقتة، مما يُعزز الرغبة في تكرار السلوك.



كثير منا يفضِّل الأكل أمام التلفاز وقد يعد طقسًا شخصيًا للراحة بعد يوم طويل وكأنها لحظة “استحقاق” للهدوء، حتى لو لم يكن الجوع جزءًا منها وهذا مقبول نسبيا إن كنا نعي وندرك حقيقة أننا نرتاح الآن ،،

بينما تصبح هذه العادة سلوكا بحاجة إلى تغيير عندما يكون التلفاز رفيقًا صامتًا، والطعام وسيلة لملء الفراغ الحسي والعاطفي في لحظاتٍ معينة مثل الوحدة أو الانفصال العاطفي


إذن كيف يمكن أن نطبق ما تعلمناه عن إعادة البرمجة اليوم في هذا الموقف ؟


أن نكسر الرابط بين الشاشة والطعام، ونُعيد بناء عادة جديدة تُشبعنا دون أن تُخدِّرنا✨


جربي تناول الطعام في مكان مخصص، بعيدًا عن الشاشة، ولو مرة في اليوم✨


اسألي نفسكِ قبل الأكل✨

“هل أنا جائعة فعلًا؟ أم أبحث عن تهدئة؟”


مارسي الأكل الواعي، واستبدلي عادة التلفاز بعادة أخرى مريحة: كوب شاي، تمرين تنفس، أو كتابة تأملية✨



يقول مارك توين 

“لا يمكن التخلص من العادة برميها من النافذة، يجب أن تجعلها تنزل من الدرج خطوة بخطوة”

 مما يعني أن إعادة البرمجة لا تعني محو العادة، بل فهمها، ثم استبدالها بخيار أكثر وعيًا


وربما آن الأوان الآن لنصافح هذا الغريب القريب الذي فقدنا علاقتنا الحقيقية معه .. أن نُعيد للتغذية معناها و أن نُحوِّل الوجبات إلى لحظات حضور ، وعي ، تأمل ، وامتنان🤍 

أتمنى لكنَّ الإستفادة🤍

 غفر الله لي ولكم

دُمتن في أمان الله وحفظه


 

 المصادر التي تم الاستعانة بها 

About Alaa | عن آلاء

زوجة، و كاتبة; . حاصلة على شهادة البكالوريوس في اللغات والترجمة، وتسعى اليوم بكتاباتها للمساهمة في خلق بيئة آمنة وداعمة عن طريق أدوات عملية تُمكن كل أنثى مِن إعادة تعريفها لذاتها من الداخل وعلى فهمها لفطرتها ولرسالتها التي خُلقت لأجلها. 💌

A wife, and writer. Holder of a bachelor’s degree in Languages and Translation. Today, she strives to create a safe, nurturing space-one built around practical tools that empower every woman to redefine herself from within and reconnect with her innate essence and purpose she was born to fulfill. 💌

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شَبح دور الضحيَّة

أنا مُقبلة على الأمومة!

القريب الغريب : أنَستَهلكهُ أم يستهلِكنا ؟