“دمعة” تُعيد التوازن!
"!ألا وهي .."آلية البكاء.
الآلية التي ارتبطت عند كثيرٍ منا بأنها مجرد تعبير عن الحزن أو الانهيار أو المشاعر الفياضة أو الحساسية ، وهذا ما يجعل معناها الواسع مختزلاً
فالبكاء بمعناه الأشمل والأوسع هو لغة جسدية وروحية تعبِّر عن طيف واسع من المشاعر: الفرح، الخوف، الامتنان، الانفعال وغيرها.
دعيني أضرب لكِ مثالا
هل حدث ورأيتِ أحدًا في موقف مفرح جدًا يبكي؟
وقد تجدين من يعلِّق على هذا الشخص بهذا التعليق وما يشبهه: “احنا بنفرح يا بنتي، ليه النكد بس؟”
لكن ما يبدو للعين دموعُ حُزن هو في الحقيقة استجابة عصبية معقَّدة، تبدأ من عمق الدماغ وتنتهي برسالةٍ ما نراها على الوجه (وهذا بالطبع في حالة سلامة الجسد!).
لنفهم هذا أكثر .. بشكل مبسط وأعمق..
دعيني أقصُّ عليكِ قصة تحدث يوميًا، قد تُساهم في فهم ما يحدث بالداخل، وتَشرح ما يحدث من منظور علمِ الأعصاب:
---
كيف يحدث البكاء؟
تخيلي معي .. في مكانٍ ما في رأسكِ، توجد مدينة صغيرة، تعيش فيها مجموعة من الشخصيات التي تعمل بتناغم لحمايتكِ من الانهيار.
وفي أحد الأيام، شعرتِ — وأنتِ تمرِّين بيومٍ صعب — بانقباضٍ في صدرك، وكأن شيئًا ثقيلًا يسكن قلبكِ.
هنا استشعرت حركة داخلية تحدث .. حركة داخل المدينة الصغيرة ..
مدينة الأعصاب.
استشعرت إحدى الشخصيات التي تكون دائمًا في حالة تأهُّب هذا الانقباض وتلك المشاعر الثقيلة التي قد تُشكِّل خطرًا عليكِ فكانت
السيدة مشاعر، وهي اللوزة الدماغية
(Amygdala)
أول من تحرك!
تشبه السيدة مشاعر اللوزة الصغيرة في الشكل، حيث تتجمَّع الخلايا العصبية ، وتقع داخل الفص الصدغي من الدماغ أمام الحُصين
وبما أنها هي المسؤولة عن رصد الانفعالات، عندما رأت الحزن يتسلَّل إلى قلبكِ، أطلقت إنذارًا داخليًا فورا
قالت في استعجال :
“!لدينا مشاعر تحتاج للتفريغ! أرسلوا الإشارة"
أول من تلقَّى تلك الإشارة كان القائد المنسِّق: تحت المهاد
(Hypothalamus).
وهو مركز التنسيق بين المشاعر والجسم، ينقل الأوامر من الدماغ إلى الأجهزة الجسدية.
يتحكَّم في إفراز الهرمونات، وتنظيم الحرارة، وضربات القلب، وغيرها.
فور تلقيه الإشارة ،، بدأ بتوجيه الأوامر
“أيها الجهاز العصبي، استعد! أيتها الغدد الدمعية، جهِّزن أنفسكن!”
بعدها مباشرة يدخل الراعي الهادئ المشهد: الجهاز العصبي اللاودي
(Parasympathetic System)،
وهو الجزء المسؤول عن تهدئة الجسم بعد التوتر، يُعيد التوازن ويُخفِّف من استجابة “القتال أو الهروب”.
فقال مطمئنا الجميع..
“اهدؤوا جميعًا، أنا هنا لأعيد التوازن.”
فبدأ بتقليل ضربات القلب، وتهدئة التنفُّس، وكأن أحدهم يحتضن داخلكِ برفقٍ شديد
ولاستكمال ما بدأه كل بطل من أبطال المشهد، أطلَّت السيدة دمعة —الغدد الدمعية— وبدأت عملها بالتبعية
فبدأت بإفراز قطرات صغيرة من الدموع، ليست ماءً فقط، بل تحتوي على هرمونات مهدئة مثل الأوكسيتوسين والإندورفين.
لتمنحكِ شعورًا بالراحة والسكينة، فسرعان ما تجدين جميع آلامك تتلاشى رويدا رويدا...
ويأتي بعدها دور الهواء البارد —النسيم المنقذ— الذي، مع كل شهقة نحيبٍ، يدخل إلى جسدكِ ويقول
“أنا هنا لأعيد صفاء التفكير.”
فيساعد على تبريد الدماغ وتنظيم حرارته، مما يُحسِّن مزاجكِ بشكل عام.
ورغم أن هذا كله مشهد لا يتخطَّى ثوانٍ في حدوثه، إلا أنه قد يتكرَّر أكثر من مرة متتالية، كلما ظهر الضيف الثقيل الذي يستمر في التجوُّل.
هذا الضيف الثقيل يُدعى الكورتيزول —هرمون التوتر— يُفرَز عند الإجهاد، وتراكمه يُرهق الجسم
ولحكمة بالغة .. جعل الله دورا خاصا للسيدة دمعة تُظهر فيه قدراتٍ مميزة فقط لمجرد وجودها ..
وهو أن تقوم بطرد هذا الضيف الثقيل بلطفٍ من الجسم ..
🌱وبعد دقائق، تجدين نفسكِ تتنفَّسين الصعداء، وتشعرين وكأن جسدكِ أعاد ترتيب نفسه
مما يعطينا في النهاية استنتاجا هاما
وهو ..
أن البكاء لم يكن ضعفًا كما صوِّر لنا، بل كان طقسًا داخليًا منسَّقًا بعناية، شاركت فيه شخصيات مذهلة كثيرة، كلها تعمل بتصميم إلهي دقيق، لتمنحكِ فرصة للتشافي والمُضي قدمًا..
---
.."الآن، تخيَّلي معي مشهد "كتم البكاء
ما الذي قد يحدث لكل هذه الشخصيات؟
ماذا ستفعل "السيدة مشاعر" بعد أن نبَّهت "القائد المنسِّق" واستُلمت الإشارة، لكن "السيدة دمعة" توقَّفت عن إفراز الدموع، وتراكمت المشاعر الثقيلة بالداخل؟
وظل "الضيفُ الثقيل — الكورتيزول" يتجوَّل داخلكِ؟
ماذا ستفعلين؟
هل للطعام مكانٌ في هذه القصة حقًا؟ وهل يصلح أن يكون بديلا للبكاء؟
هل يبدو هذا البديل أو غيره كحلٍّ جذري شافٍ لكِ؟
---
شاركينـي رأيكِ وتخيُّلكِ للجزء الثاني من القصة: “صرخةُ دمعة!”
الجزء الذي نتخيل فيه معا مشهد كامل لكتم "السيدة دمعة" وإخفائها بالداخل
كلي شوق لقراءة مشاركتك.. حتى لقاءٍ قريب 🌿
About Alaa | عن آلاء
زوجة، و كاتبة; . حاصلة على شهادة البكالوريوس في اللغات والترجمة، وتسعى اليوم بكتاباتها للمساهمة في خلق بيئة آمنة وداعمة عن طريق أدوات عملية تُمكن كل أنثى مِن إعادة تعريفها لذاتها من الداخل وعلى فهمها لفطرتها ولرسالتها التي خُلقت لأجلها. 💌
A wife, and writer. Holder of a bachelor’s degree in Languages and Translation. Today, she strives to create a safe, nurturing space-one built around practical tools that empower every woman to redefine herself from within and reconnect with her innate essence and purpose she was born to fulfill. 💌

تعليقات
إرسال تعليق