قاربٌ مثقوب: ما الذي يحاول جسدي الإفصاح عنه ؟
حين فكَّرت في كتابة هذا الموضوع، انتابني شعورٌ قوي بأنني أريد أن أسترسل في الحديث عن النعم الكثيرة التي لا زلت أغوص في فهمها،
وعلى رأسها نعمة الجسد
وحضرني كيف كنتُ أتعامل معه ..وكأنه أمرٌ مُسلَّمٌ به، لا يحتاج إلى تأمل أو فهم .. وكلما اعتدت هذا التعامل، أصبح الجسد شيئًا “عاديًا جدًا”…حتى وفي مرحلة معينة ،، فقدتُ صلتي به.
لماذا هذا الموضوع وما الذي أريد تسليط الضوء عليه في هذه المدونة؟
تخيَّلي معي أنكِ تركبين قاربًا، وهذا القارب سيوصلك إلى وجهتكِ.
ركبتِ القارب، وكان البحر هادئًا، وكل شيء على خير ما يُرام.
لكن بعد بضعة أيام، هبّت عاصفة، وتسرب الماء إلى الداخل.
حاولتِ قدر الإمكان إخراج الماء بدلو، ولكن دون جدوى .. فأنتِ في البحر، والقارب مثقوب.
كيف لكِ أن تُعيدي صيانته في هذه الدقائق المعدودة؟
هذا بالضبط ما يحدث لنا.!
نحتاج إلى صيانة تُخرجنا من قلب البحر بقاربٍ مثقوب!
نبدأ حياتنا بأجسادٍ صحيحة، ثم نغرق في متعٍ غير واعية،، أكل زائد، كسل، توتر، قلة حركة..
وحين يظهر أول مرض، كصفعة توقظنا من الغفلة، نبدأ بالبحث عن الأسباب، فنكتشف أننا تأخرنا كثيرًا، وأن إصلاح القارب أصعب بكثير من الحفاظ عليه.
كنتُ أستمع ذات مرة إلى درسٍ في تزكية النفس، وقال الشيخ فيه ما وسَّع مداركي وجعلني أرى بُعدا جديدا:
“كلما غلبت النفسُ في الجسد، بالَ وهرِم.. وكلما سمت الروحُ فيه، صحَّ وشبّ.”
ففهمت حينها أن الأمر لا يتعلّق بحرمان النفس من الطعام، أو ممارسة الرياضة للاستحسان أو للإرضاء .. بل هو أعمق من ذلك.
إنه يتعلَّق بفهم النفس، مجاهدتها، والوعي بالحوارات الداخلية التي نُخاطب بها أنفسنا:
هل هي حقًا منَّا؟ أم مما تم تلقينه لنا منذ الطفولة؟
فحين يُدار الجسد بقيادة النفس، التي تميل إلى الراحة، اللذة، والهوى، يُصبح عرضةً للضعف، والهرم، والبلاء.
والنفس إذا تُركت دون تزكية، تُثقل الجسد بالرغبات، وتُنهكه بالمبالغة في الطعام، الكسل، الغضب، الحسد، وغيرها من الانفعالات التي تُسرِّع شيخوخته وتُضعف مناعته.
وكلما اقتربنا من إدراك أن الجسد مرآةٌ لحال الداخل، وأن تزكية النفس ليست رفاهية روحية، بل ضرورة جسدية سمت أرواحنا وصحَّت أجسادنا.
نأتي بعدها إلى مرحلة التعلُّم.
العلم الذي يُسلِّط الضوء على حقيقة جسدك كأنثى، ويُعيد إليكِ البوصلة ويمكِّنك من فهم ما يحدث في الداخل بدقة!
أُشجعك أن تُحضري دفترك و أقلامك وتُدوني معي 😊،،
الأنثى بطبيعتها متغيِّرة، كالفصول الأربعة.
تعيش شتاءً وربيعًا وصيفًا وخريفًا بشكلٍ دوري، وكل فصل يحمل طاقةً مختلفة، وقدرةً متباينة، نتيجة تغيُّر الهرمونات واستعداد الجسد للحمل.
الطمث هو شتاء الأنثى، مرحلة التخلي والهدوء.
فيها تحتاجين للراحة، للسكون، و للانسحاب من العالم.
ينخفض في هذه المرحلة هرمونا الإستروجين والبروجستيرون إلى أدنى مستوياتهما، مما يُفسِّر الشعور بالتعب، والحاجة للتغذية الدافئة، والهدوء.
الجهاز العصبي يكون أكثر حساسية، مما يجعل التوتر والضغط مضاعفًا في تأثيره.
فإن اخترتِ في هذه المرحلة ممارسة الرياضة العنيفة أو مواجهة ضغطٍ شديد، فهل سيستجيب جسدك؟ أم يسقطكِ طريحة السرير؟
ثم يأتي الربيع، مرحلة ما قبل الإباضة.
تزهر الأفكار في هذه المرحلة، وتُبنى فيها الخطط.
يبدأ الإستروجين بالارتفاع تدريجيًا، مما يُحفِّز نمو البويضة ويزيد النشاط الذهني والجسدي.
طاقة البناء والمحبة تملؤك، وتناسبكِ فيها الحركات النشطة كالجري والرقص.
هذه المرحلة تُعزِّز الإبداع، الحماس، والانفتاح على الأفكار الجديدة.
بعدها يحلُّ الصيف، مرحلة الإباضة.
تكونين مشرقة، اجتماعية، مقبلة على الحياة.
الاستروجين يبلغ ذروته، ويُفرز الجسم كميات من
LH هرمون
الذي يُحفّز إطلاق البويضة.
تشعرين بطاقةٍ عالية وقدرة على الإنجاز والتفاعل، وتكونين في قمة نشاطكِ الجسدي والاجتماعي.
هذه المرحلة مثالية للأنشطة التي تتطلب تركيزًا عاليًا أو تواصلاً مع الآخرين.
ثم يدخل الجسد في الخريف، مرحلة ما بعد الإباضة.
تتساقط فيها الأوراق، وتقلُّ الرغبة في الاختلاط.
يرتفع البروجستيرون استعدادًا لاحتمال حدوث حمل، ويبدأ الإستروجين بالانخفاض.
يحدث التخلي المصغَّر، استعدادًا للحيض، وللشتاء الداخلي من جديد.
تقلُّ الطاقة تدريجيًا، ويزداد الميل للهدوء والتأمل، ويُفضّل فيها تقليل الأنشطة المجهدة، والعودة للذات.
معرفتنا بهذه المراحل علميًا وحدسيًا، تُساعدنا على اختيار الوقت المناسب للحركة، و للقرارات، وللتعامل مع الناس وحتى لانتقاء نوعية الطعام المناسبة لكل مرحلة
أما الجهل بها، فيُولِّد التوهان، التردد، والخوف .. فنمارس ما يُرهقنا، ونظن أننا مضطرات، بينما نحن لسنا كذلك.
كرَّمنا الله بالعقل والقلب، وأعطانا القدرة على الفهم والتمييز.
وهذه المدونة هي دعوةٌ صادقة مني لكِ:
أن تسعي لفهمك، لفهم جسدِك، وأن لا تتبني أي معلومة دون تحقق.
أنتِ وجسدك أغلى من محاولاتٍ عبثية لا تُثمر، ولا تُرضي.
لأن جسدك لا يتحرَّك وحده، بل يقوده عقلك وقلبك، فإن طريقة تعاملك معه تكشف الكثير عنك
فإذا اخترت إرهاق جسدك بلا وعي، غالبًا ما ينطبع ذلك على علاقاتك، و عبادتك، وعلى إرهاق نفسك في دوائر لا تنتهي.
أما اذا اخترت الإنصات لحاجاتك، وراعيت فصولك الدورية، ووازنتِ بين الراحة والسعي، حققت نمط الحياة الواعي وأحسنتِ الاختيار
حين نُكرِّم أجسادنا، نُكرِّم ما أودعه الله فينا.
وحين نُراعي حاجاته، نُراعي نعمة الخلق، ونُمارس عبادة الشكر فعلا لا قولا.
فأجسادنا ليست أملاكا خاصة، بل أمانةٌ من الله، وكل لحظة نُهمل فيها هذه الأمانة، نُقصِّر في حقِّ أنفسنا وحقِّ الخالق جلَّ وعلى.
أحب أن أكرر هذا في نفسي، وأدعوكِ لتكراره معي:
"أنا غالية، مكرَّمة، عند رب العالمين".
خالقكِ قدَّر لكِ الراحة في أيام الحيض، ومنع عنكِ الصلاة التي هي كتابٌ موقوت..
فهل فكَّرتِ يومًا لماذا؟
لماذا نُصرُّ على تبني الإرهاق والتعب،بينما يسَّر الله علينا نحن معشر النساء؟
أهو رفضٌ للنعمة؟ أم محاولةٌ لإرضاء البشر على حساب رضا رب البشر؟
احترام الجسد هو أول درجات احترام الذات، وهو بوابة لفهم أعمق للعلاقات، وللعبادة، وللغاية من الوجود
💗🌿 أدعوكِ للتأمل، للتفكُّر، ولإعادة ضبط وجهتك.
كما أنني أُحضِّر مفاجأةً قريبة تُيسِّر عليكِ بإذن الله فهم نفسك وجسدك، خطوةً بخطوة.
فإذا كنتِ مهتمة، أرسلي لي رقمكِ على التيليجرام في رسالة هنا في التعليقات أو على ماسنجر، وسأوافيكِ بالتفاصيل بإذن المولى.
كل التوفيق يا حبيبات، وأسأل الله أن يُلهمكن الفهم، والعلم، والبصيرة، والحكمة.
في أمان الله 🤍
About Alaa | عن آلاء
زوجة، و كاتبة; . حاصلة على شهادة البكالوريوس في اللغات والترجمة، وتسعى اليوم بكتاباتها للمساهمة في خلق بيئة آمنة وداعمة عن طريق أدوات عملية تُمكن كل أنثى مِن إعادة تعريفها لذاتها من الداخل وعلى فهمها لفطرتها ولرسالتها التي خُلقت لأجلها. 💌
A wife, and writer. Holder of a bachelor’s degree in Languages and Translation. Today, she strives to create a safe, nurturing space-one built around practical tools that empower every woman to redefine herself from within and reconnect with her innate essence and purpose she was born to fulfill. 💌

مبدعة كالعادة❤️❤️
ردحذف❤️❤️
حذف