ما بين الاغتراب و الهوية!
هل جربتِ يومًا إحساس أن تكون لديك صديقة مقرَّبة، ثم فجأة تصبح مختلفة تمامًا بعد سفرها إلى مكان آخر، داخل البلاد أو خارجها؟ هل تساءلتِ يومًا، ما الذي تغيَّر؟ ولماذا وُضعت هذه المسافات بينكما؟
أتذكر أنني بعد سفري لأول مرة خارج البلاد، ثم عودتي، واجهت صعوبة في فهم ومواكبة ما كنت قد ابتعدت عنه لفترة طويلة. وأعتقد أن السبب كان ببساطة أنني لم أعد كما كنت.. فماذا يحدث بالضبط حين نغترب؟
في لحظات الغربة، لا نغترب فقط عن المكان، بل عن السياق الذي كان جزءًا منا دون أن ننتبه.. نجد أنفسنا في عزلة، لا لأننا وحدنا، بل لأننا أصبحنا خارج الإيقاع الذي كان يُشكَّلنا. وهنا تبدأ رحلتنا نحو معنى مختلف تمامًا .. نحو الهوية.
لكن ما هي الهوية؟ وكيف ترتبط بالفطرة، وبالعزلة، وباللحظة التي نعيشها الآن؟
دعينا نبدأ من الأصل
من مفهوم الفطرة
الفطرة هي النواة التي فطر الله الناس عليها.. هي الميل الطبيعي نحو التوحيد، نحو الخير، نحو الصدق، نحو الانتماء لما هو أعمق من الزمان والمكان.. هي ما يُولد معنا، ويظل فينا، حتى لو غطَّته طبقات من العادات أو التجارب أو التغيرات. وفي الغربة، حين تتغير اللغة والعادات، تُصبح الفطرة مرجعًا داخليًا تلقائيًا، تُعيدنا إلى أنفسنا حين لا نعرف كيف نُعرِّفها.
تجدين مثلًا بعض الأشخاص الذين كانوا يواجهون تحديات في فهم أنفسهم وهم بين أهليهم، عند ابتعادهم وغربتهم تبدأ رحلتهم بالازدهار، ويتعمق فيهم فهمهم لذواتهم، وتتقوى قدرتهم على التمسك بفطرتهم وسط مجتمعات طُمست الفطرة فيها. قد يفعلون ذلك من باب الحيطة أو الخوف من أن يُطمسوا مثل غيرهم، وحتى لو كان هذا هو السبب، فهو خطوة أولى في رحلة طويلة يُبنى معها الصبر والإرادة رويدًا رويدًا.
وثمرة بناء الفطرة، واختبارها، وصياغتها، واختيارها رغم كل شيء، هي ما نطلق عليه الهوية.
الهوية هي الفطرة حين تُختبر، و تُصاغ. هي ما يبقى فينا عندما يتغير كل شيء حولنا. هي منظومة من القيم، والذكريات، والانفعالات، واللغة، والإيمان، تُنظِّم علاقتنا بالذات والآخر. وفي الغربة، تُصبح الهوية صمام أمان نفسي وروحي، تمنع الاندماج التام دون وعي، وتُعيد ترتيب الذات، وتُذكِّرنا بما لا يجب أن يُنسى.
وما علاقة ذلك بالاغتراب؟
كل من اغترب، أعتقد، سيفهم هذا الجانب جيدًا. عندما نجرب شعور وجودنا تمامًا بمفردنا بعد اعتيادنا على دفء الأهل والأحباب، تبدأ علاقتنا بأنفسنا بالظهور، ونفهم ما يعنيه أن نصادق أنفسنا.. في البداية يكون الأمر إجباريًا، ثم يتحول إلى طقس خاص، يؤهل الإنسان لانتقاء من حوله بعناية شديدة. فمن جرب هدوء النفس وصلاحها وسكونها، لن يرغب أبدًا في زعزعة هذا الاستقرار النفسي باختيار الأشخاص الخطأ في دائرته. وهذه العزلة المختارة تساهم في تشكيل الهوية.
العزلة في الغربة ليست فراغًا أو وحدة كما يظن البعض، بل مساحة مكشوفة بين الذات والعالم. حين نختار أن نستمع للداخل وننأى بأنفسنا عن الازدحام، نرى العالم لاحقًا بعين مختلفة تمامًا، تساهم في تطورنا الذاتي.
وهنا، تُصبح العزلة لحظة صدق، تُعيدنا إلى الفطرة، وتُختبر فيها الهوية.
فكيف إذًا ينعكس كل هذا على حاضرنا وقراراتنا المستقبلية؟
الحاضر يمنحنا حرية الاختيار: ما الذي نتمسك به؟ ما الذي نُعيد صياغته؟ ما الذي نُقاوم أن نندمج فيه دون وعي؟
في الغربة، يُصبح الحاضر مساحة اختبار للهوية: هل هي مرنة؟ هل هي راسخة؟ هل هي واعية؟
وهنا، تُصبح الهوية والعزلة أدوات لإعادة تشكيل وعينا، فنختار بعناية ما ينفعنا حقًا، وما يُعد مضيعة للوقت والجهد.
وهذا، يا صديقتي، يفسر تغير الناس عند سفرهم وعودتهم. قد يكون التغير طفيفًا لا يُشعر به، وقد يكون أعمق مما نتوقع، وذلك يعتمد على وقع التجربة وشدتها على نفس كل إنسان. فنحن مختلفون: طبائعنا، وصفاتنا، وسماتنا، وثقافتنا، وتربيتنا.. كلها مختلفة. فما يؤثر فيَّ بشدة قد لا يؤثر إطلاقًا في غيري.
لكن رغم ذلك، ومن وجهة نظري، أعتقد أن كل من اغترب لا بد أن يُطبع على صفاته بشيء ما. إما بتشكيل جديد لوعيه بعد أن بدأ رحلة اكتشافه لذاته، أو بلحظات خذلان تُجبره لاحقًا على الاستسلام والعودة من حيث أتى.
وأنا، من موقعي هذا، أقول ،،
الحمدلله على نِعم الله، والحمدلله أن جعل هذه التجربة في حياتي.. فلولا صعوباتها وصدماتها، ما كنت أنا الآن، وما كنت سأعرف حلاوة أن يدرك الإنسان أهمية معرفة ذاته.. وربما كانت هذه هي أفضل وسيلة لي لبدء رحلتي الخاصة. وقد تكون هناك من هي مثلي، تحتاج عزلة لتبدأ، وربما توجد من هي عكسي، تحتاج عِزوة لتبدأ. وفي كل حال، أشجعك ألا تُفرطي وأن تبدأي من أي مكان أنتِ فيه.
وإليكِ رسالة خاصة مني إن كنتِ مغتربة:
🌸احرصي على روتين مستقر ثابت لكِ.
قد يكون بسماع بودكاست يُفيدك علميًا أو دينيًا، أو قراءة كتاب يُلهمك، أو ممارسة رياضة، أو حتى تمشية يومية.
🌸اختاري شخصًا أو اثنين فقط تكونين معهم على طبيعتك تمامًا دون تزييف.. نحتاج دائمًا من يذكرنا بحقيقتنا، ومن نكون حوله بكاملنا.
ثبِّتي يومًا في الأسبوع لفعل نشاط جديد خارج المنزل، ليذكّرك أنك دائمًا قادرة على كسر الروتين بشيء يسعدك.🌸
🌸احرصي على وجود شخص واعٍ يفهم ما يحدث داخلك، حتى لو استعنتِ بأخصائي نفسي.. سيساعدك ذلك على تخطي صدمات اختلاف الثقافات من دولة لأخرى.
وأخيرًا، 🌸ابحثي عن هواية تستمتعين بها وتكونين سعيدة فعلًا أثناء ممارستها—ويا حبذا لو كانت فنية: كالرسم، التلوين، الخياطة، الطبخ، أو غيرها.
وإذا كانت لديكِ أي رسائل أخرى ترغبين بمشاركتها مع كل أنثى مغتربة، فلا تترددي .. اكتبيها لنا في التعليقات، سنسعد كثيرًا بذلك.
حظًا موفقًا لكِ يا رفيقة.. وحتى لقاء آخر بإذن الله.✨💗
About Alaa | عن آلاء
زوجة، و كاتبة; . حاصلة على شهادة البكالوريوس في اللغات والترجمة، وتسعى اليوم بكتاباتها للمساهمة في خلق بيئة آمنة وداعمة عن طريق أدوات عملية تُمكن كل أنثى مِن إعادة تعريفها لذاتها من الداخل وعلى فهمها لفطرتها ولرسالتها التي خُلقت لأجلها. 💌
A wife, and writer. Holder of a bachelor’s degree in Languages and Translation. Today, she strives to create a safe, nurturing space-one built around practical tools that empower every woman to redefine herself from within and reconnect with her innate essence and purpose she was born to fulfill. 💌

تعليقات
إرسال تعليق