من أنا؟ .. إن لم أكن من ظننت؟!
ماذا يعني أن يكون المرء واعيًا؟
أن ترى الأمور كما هي، دون أن تعي حتى متى حدث ذلك. أن يصبح الحبيب في عينك عدوًا، والعدو حبيبًا محتملًا بدافع الشفقة. أن تدرك صغائر الأمور ومسببات الأسباب. أن تلمس نقطة في أعمق أعماقك بعد الإبحار داخلك لعدة أميال غير محسوبة، وكلما أبحرت، ازدادت الظلمة والوحشة. أن ترى ما لا يراه غيرك، فيتهمك من كان سببًا في أذيتك يومًا بالجنون، فتنظر إليهم وأنت لا تدري: أتشفق وتعفو وتغفر، أم تتركهم للأيام والمواقف، وتنظر وتتأمل من بعيد فقط، ولسان حالك يقول: “فلندعهم وشأنهم، فأشد عقاب قد حلّ بهم هو أن يُكملوا مسير حياتهم بقوالب التفكير هذه”.
أن تنضج لتدرك أنه لا يوجد بشر على وجه هذه الأرض سيعفيك من قضاياك، أو سيمنع عنك الألم، أو يفهم حقًا الثقل الذي تكنّه في صدرك. أن تمتن وتستشعر نعم الله عليك، وأن تبحث وتسعى جاهدًا لإيجاد الرابط الإلهي الذي أضعته وأنت تُسقى من مفهوم روحانيات غيرك، فقد عشتَ عمرًا تظن فيه أن الحياة هي أن تتسوّل عطفًا وتفهّمًا ودعمًا من حولك.
يا لها من رحلة شاقة!
ثم، ولن تتوقف عند هذا الحد، يصبح البشر جميعهم محض محطات ليس إلا. ثم تتذكر أن الله خلق لنا من أنفسنا أزواجًا لنسكن إليها. فتبدأ رحلة طويلة، بدءًا من مرحلة طفولتك، وانتهاءً بسعيك في البحث عن شريك الحياة. فتتخبط وتتخبط، وتتعثر وتسقط، وتهوي، وتخور قواك وتيأس، وتتذكر أن الله لن يضيعك. فتنهض على استحياء، وتستجمع طاقتك، وتخطو بضع خطوات، وتحسب أنك نهضت وانطلقت، فتكتشف أنك لا زلت عند خط البداية.
فتسوّل لك نفسك: فلنتراجع، علّنا على خطأ، والجميع على صواب، وربما ما نمرّ به من محض خيالنا، وربما نحن لا زلنا نحلم. فتهمّ بتصديقها، ولكن تتذكر كم خذلتك تلك النفس، فتطرد أفكارها، وتقرر أن تعيش ألمك وخوفك وأنت تسير في هذه الرحلة… رحلة وعيك الدنيوية.
فيحدثك طفلك القابع في نفسك فيقول: “أنا خائف”. وكأن كل ما تمرّ به ليس بكافٍ. فتجيبه: “وأنا أيضًا خائف”. فيجيبك: “أريد أمي، وأريد أبي، وأريد أن أشعر بالرعاية والحنان”. فتقول له: “لا بأس، أدرك ذلك… وأنا هنا من أجلك”. تحاول أنت مستميتًا أن تقوم بدور الأب والأم لذلك الطفل المسكين الذي يرتعد خوفًا داخلك.
يا لوحشة تلك الرحلة!
تجعلك غريبًا حتى على نفسك. وتبدأ تتساءل: من أكون حقًا؟ إذا كنت قد عشت عمرًا كاملًا وأنا أظن أنني ناضج، فمن أكون إن لم أكن ذلك الناضج الناجح الملهم الناصح؟
وهنا تتعرف على ذاتك المزيفة وأنت تراقبها من بعيد. تراها تبتسم في وجوه من تكره وتكنّ الضغينة تجاههم. تراها تقول “نعم” وهي تصرخ داخليًا “لا”. تراها تغضب غضبًا شديدًا، ولا يُرى من أثره شيء سوى بعض الكلمات تهمس بها بعد كل موقف أغضبها، وتقبل وضعها كما هو، وتضع الأعذار، وتؤلّهها. وتهوى وراء صوت النفس، فتنغرس في الملهيات، فتراها تأكل وتمرح وتتوه وتشرد، تارة في الفراغ، وتارة في نشوة العمل والقصص الوهمية التي كوّنتها على مر السنين من بضع أفلام سينمائية، أو من التجارب الحياتية السابقة لمن هم أكبر سنًا وأكثر علمًا، كما تم تلقينها.
تراها وكأنها تُعوِض انتقامها المكبوت، ويجول بخاطرها: “لا بأس إن أخذت استراحة مؤقتة لأعود أقوى مما كنت عليه”. وما يحدث حقًا هو أنها تغلف مشاعرها كلها بتلك الملهيات، وتحيد بنظرها عنها لكي لا تشعر فقط بالألم، ولكي لا تسمح لنفسها أبدًا بمواجهة تلك المخاوف.
وبعد إدراكك لنفسك المزيفة ورؤيتها على حقيقتها، ما العمل الآن إذًا؟ تبدأ بالتساؤل: لماذا أعيش هكذا؟ أهذا أنا حقًا؟
وهنا تحدث نقطة التحول… النقطة التي بسببها يدخل المرء عالم الوعي، ليُتّهم لاحقًا بضيق المنظور والفكر، فقط لأنه حاول الخروج من القالب الذي صُمّم خصيصًا له ليتناسب مع جميع مراحل حياته. صُمّم بصناعة يدوية احترافية، بمُثُل مجتمعية عُليا “متخرش الماية”!
خرجتَ الآن بعد أن حاول الجميع إرجاعك إلى قالبك؟! نعم، صحيح.
أن تجلس الآن بجواره، تشعر بحيرة شديدة: من أين سأحصل على قالب يناسبني الآن بعد أن خرجت؟
نعم، أراك تبتسم…
صحيح، أحسنت،
الآن بدأت تفهم.
أيجب علينا أن نُكمل حياتنا في قالب؟ ربما لم نُخلق لنبقى في قالب صُمّم لنا من وجهة مُثُل أحدهم. وربما مراد الله منا، وتلك الرحلة كاملة، ما هي إلا جرس إنذار لنستفيق من السبات العميق الذي كنا فيه طوال ذلك الوقت. وربما كان هذا هو، منذ البداية، التفسير الوحيد لكل ما حدث…
تفسير أنها
رحلة الزحف من الغفلة إلى بوابة الوعي!
About Alaa | عن آلاء
زوجة، و كاتبة; . حاصلة على شهادة البكالوريوس في اللغات والترجمة، وتسعى اليوم بكتاباتها للمساهمة في خلق بيئة آمنة وداعمة عن طريق أدوات عملية تُمكن كل أنثى مِن إعادة تعريفها لذاتها من الداخل وعلى فهمها لفطرتها ولرسالتها التي خُلقت لأجلها. 💌
A wife, and writer. Holder of a bachelor’s degree in Languages and Translation. Today, she strives to create a safe, nurturing space-one built around practical tools that empower every woman to redefine herself from within and reconnect with her innate essence and purpose she was born to fulfill. 💌

تعليقات
إرسال تعليق