التقبُّل، السكينة، والتسليم: رحلة الإنسان من مقاومة الواقع إلى الانسجام معه

 

في الآونة الأخيرة وُضعتُ أمام اختبار جديد جعلني أكتشف الكثير عن نفسي، وأصبح هذا بفضل الله ومننه من أمتع التجارب عندي. كنتُ أظن لفترة طويلة أن ما أعيشه هو شعور بالرضا، لكنني اكتشفت لاحقًا أنني لم أكن أعيش الرضا الحقيقي، بل كنتُ أسكِّن الجروح وأتعايش معها، وحتى وإن واجهت بعضها كنتُ أشعر دائمًا أن الأمر لم ينتهِ بعد. هذا الإدراك علَّمني شيئًا جوهريًا: أن السكينة التي أبحث عنها في كل مكان لن تتجلى دون تقبُّل، وأن التسليم الذي أنظر إليه دائمًا نظرة طفلٍ صغير إلى قمة جبل، لا يتحقق إلا عندما يبدأ الإنسان رحلته مع التقبُّل، عابرًا بحر السكينة، وصولًا إلى قمته وأعلى درجاته وهي التسليم. والعلاقة العميقة بين هذه المفاهيم الثلاثة هي كونها مراحل متصلة في رحلة الإنسان نحو الانسجام مع نفسه ومع الحياة.

فكيف يتأصل ذلك؟

التقبُّل هو الخطوة الأولى، وهو مواجهة الواقع كما هو دون إنكار أو مقاومة، وهو ما يصفه علم النفس الحديث بأنه القدرة على التعامل مع المشاعر والأحداث بوعي، بدلًا من محاربتها أو الهروب منها. حين يتقبَّل الإنسان حزنه أو ضعفه، يصبح أكثر قدرة على تجاوزه، لأن التقبُّل يزيل الصراع الداخلي بين ما نريد وما هو موجود.

ومن رحم هذا التقبُّل تولد السكينة، فهي الثمرة الداخلية التي تنبت عندما يتوقف العقل عن المقاومة، فينخفض التوتر، ويهدأ الجسد، ويشعر القلب بالأمان. السكينة حالة عصبية وروحية متكاملة، حيث يلتقي العلم بالروح، ويشعر الإنسان أن الطمأنينة تسكنه من الداخل، فلا يعكر صفوه عابر، ولا يقتحم هدوءه متعدٍّ.

أما التسليم فهو الذروة، وهو أعمق درجات التقبُّل، حيث لا يكتفي الإنسان بالرضا، بل يسلِّم الأمر لله، فيتحرر من ثقل السيطرة المطلقة، ويترك النتائج لحكمة أكبر منه. التسليم لا يعني التوقف عن السعي أو العمل، بل يعني أن يعمل الإنسان بجد، ثم يترك القلق ليذوب في بحر ثقته بالخالق.

وهكذا يصبح التقبُّل بداية الطريق، والسكينة هي الحالة التي يعيشها القلب في حضور الطمأنينة بعد تقبُّله لما هو كائن، والتسليم هو الوصول إلى التقبُّل في قمته، حيث يستسلم الإنسان لرحمة الله ومشيئته بلا مقاومة.

وحين نفهم هذه العلاقة ندرك أن التقبُّل ليس ضعفًا، بل هو قوة، وأن السكينة ليست هروبًا، بل هي حالة حضور، وأن التسليم ليس تراجعا، بل هو ثقة عميقة بأن وراء كل شيء حكمة ورحمة. 

قيل إن عمر بن عبدالعزيز، رحمه الله، كان كلما سمع هذه الآية يتضرع قائلًا:

“اللهم إنَّ رحمتك وسعت كل شيء، وأنا شيء، فلتسعني رحمتك يا أرحم الراحمين.”

🤍 وأنا شيء، فلتسعني رحمتك يا أرحم الراحمين 


فتح الله عليكن، ورزقكن نعمة التقبُّل، ونور السكينة، وجمال التسليم 🌱

إلى لقاءٍ آخر 🤍

About Alaa | عن آلاء

زوجة، و كاتبة; . حاصلة على شهادة البكالوريوس في اللغات والترجمة، وتسعى اليوم بكتاباتها للمساهمة في خلق بيئة آمنة وداعمة عن طريق أدوات عملية تُمكن كل أنثى مِن إعادة تعريفها لذاتها من الداخل وعلى فهمها لفطرتها ولرسالتها التي خُلقت لأجلها. 💌

A wife, and writer. Holder of a bachelor’s degree in Languages and Translation. Today, she strives to create a safe, nurturing space-one built around practical tools that empower every woman to redefine herself from within and reconnect with her innate essence and purpose she was born to fulfill. 💌

تعليقات

  1. كنت اعتقد ان التقبل هو رده فعل عابره لموقف ما وسينتهي ولاكن ما اكتشفته عن التقبل هى رحله كامله لا تنتهى الي ان نلقى الله .. أنا الان فيها وسأقولها لكى ولي بصراحه تامة انها رحلة شاقة جدا ارهقتنى حقا ولاكن إذا كان ما سأصل له في النهاية هو هذا الشعور بالرضى ف الأجر على قدر المشقة او يزيد وتستحق بذل الجهد لها .. شكرا على هذا المقال الممتع 🤍

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شَبح دور الضحيَّة

أنا مُقبلة على الأمومة!

القريب الغريب : أنَستَهلكهُ أم يستهلِكنا ؟